كنا بنحلم بعش صغير .. كنا بنحلم نطول القمر
كنا بنرسم أحلام أيامنا .. بهوى وميه ولون الشجر
لكن فجأة جالنا كابوسنا .. موت ناسنا.. اصحوا فوقوا دا انتم بشر
تعيشوا النهاردة .. تموتوا بكرة .. تبقى حياتكم إزاز وانكسر
هذه أبيات مقتبسة من خواطر سابقة لي لا أدري ما الداعي لاسترجاعها في الوقت الراهن، وإن كنت أمر بنفس الظروف التي كُتبت فيها تلك الخواطر، فهي هي نفس الاحباطات ونفس التخوفات ونفس الظروف والشخصيات، فحياتنا من إحباط إلى إحباط ومن أزمة إلى أزمات، هكذا نتنقل بين أيامنا التي سرعان ما ستقضي علينا فما نحن إلا بضع أيام إن انقضى جزء منها مات جزء فينا، فالأزمة الحقيقية أننا أصبحنا نعيش في بيئة ضيقة أو بمعنى أصح لا تضيق إلا على من هم في شاكلتي، أنظر في المحيطين حولي أجدهم يتنقلون بين عمل وآخر بين مجال وآخر، كلهم يفتقد نعمة الاستقرار وأصبحت حياتنا رهن لطموحات الآخرين، فإن عبث الزمان بأحلام الأثرياء وتفتق ذهنهم عن مشروع عمل صرنا نحن وقود هذا العمل، وإن نامت أحلامهم وانطفأت شموع عقولهم وفقدوا حماسهم لأفكارهم كنا أول من يموت كمدا وتحرقا على عمل أعطيناه بعضا من حياتنا التي أوشكت على الفناء تضحية لأجل هؤلاء الأثرياء، فنحن أصبحنا شبابا ورجالا وكهولا "أمة مراد لها" أصبحنا لا نصنع شيئا من مستقبلنا ولا حتى حاضرنا، حتى ماضينا أكاد أجزم أنه لو عاد بنا الزمن إلى الوراء ما كنا أفضل حالا مما نحن فيه الآن، والأمر الأكثر إحباطا أنني أجد من حولي في مجتمعي الأكبر من قادة وزعماء وساسة وكبراء يؤكدون أننا نعيش نهضة على كافة المستويات، وأصبحت الدولة والمؤسسة تعيش نقلة حضارية كبيرة لم تعهدها من قبل بفضل حكمة وحنكة وخبرة من يقود العمل، وأنا أدعوك صديقي القارئ إلى التطلع والتدبر في كل شئ حولك ستجده يصب في النهاية لتمجيد وتأليه "رب هذا الشئ"، حتى صارت دنيتنا كلها آلهة، لا تقدر على النقد وإلا اتهمت في عقلك وفي دينك بأنك تعيب في الذات الإلهية، الذي أعرفه أن "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"، هذه وصية المولى عز وجل للبشر والتي جاءت على لسان نبيه محمد "صلى الله وعليه وسلم"، ولا أدري أين رعاتنا من هذه الوصية، أليس الأجدى لهم ولنا أن يخافوا من المسئولية وأن يخافوا من مسئولية الرعية ومن لم يقدر عليها فليتركها تخوفا من السؤال، لا أن يكتفي فقط بالقول إن إدارة شئون الدولة والوظيفة وأي شئ آخر .. هو مسئولية كبيرة ليس من السهل على أحد غيره أن يديرها، الخليفة العادل الفاروق "رضي الله عنه"، كان يخشى أن يُسأل عن عدم تعبيده طريق البعير في العراق حتى لا تتعثر في مشيتها فيأخذ ذنبها، أين نحن من تلك الوصايا، أصبحت الأمور توكل إلى غير أهلها، أصبح الراعي لا يتحرج من أكل الأموال بالباطل بل ويساهم في تضييعها، أصبحت الواسطات والأموال والفساد الأخلاقي والمالي هو المعيار الحقيقي للترقي والتنعم في الخيرات، وانظر أمامك وخلفك وعن يمينك وعن شمالك ستجد "عتيد" في أشد درجات الانشغال والعمل لسرعة تدوين ما يراه وأن صحائفه ملأت عن بكرة أبيها بفضل ذنوب وتجبر هؤلاء الرعاة، الذين ضاقت الدنيا من ذنوبهم وبذنوبهم، ضيقوها على رعاياهم فضيقها الله عليهم، من يأخذ الملايين مهموم بجمع المليارات ومن يعتلي عرش الوظيفة مهموم بتعيين ولده حتى لو كان فاسد، من تمتع بالمال والجاه والسلطان أصبح لا يتمتع بأمواله بفضل مرضه، وفي النهاية كلنا في حالة ابتلاء، وذلك بفضل فسادنا جميعا."عففت فعفت رعيتك ولو رتعت لرتعوا"، كلمة قالها الإمام علي للفاروق "رضي الله عنهما"، حينما حمد سيدنا عمر الله عز وجل على أمانة أمته ورعيته، حيث وصلته كنوز كسرى كاملة دون نقصان بعد انتصار المسلمين في معركة القادسية، والتي جاءه بها جندي صغير، كانت أمامه كنوز إمبراطورية فارس ورغم ذلك لم تميل نفسه إلى سرقة شئ أو أخذ جزء ولو يسير من تلك الكنوز الكثيرة.
إنني أحن الى زمن الفاروق، زمن العدل والحق، زمن كنت لا تخش فيه من شئ فطمأنينتك على حياتك ورزقك وتيقنك أن حقك ومظلمتك سوف يبت فيها فإن كنت صاحب حق أخذته وإن كنت آكل حق أُجبرت على إعطائه لصاحبه، وهذا جعل المسلمين يتنعمون في خيرات الله، لا فوارق كبيرة كالتي نعيشها في الوقت الراهن، وهذا كان أحد أسباب اتساع رقعة الإسلام وتعدد الفتوحات فالمسلمين انشغلوا بأمور دينهم وبشأن دعوتهم إلى الله وطلقوا دنياهم لأنها آتية إليهم لا محالة بفضل عدالة الفاروق، أين أنت أيها الفاروق هل يبخل الزمان بأن يجود علينا بمثلك، هل عقمت أرحام النساء وفسدت نطف الرجال أن يأتوا لنا بملايين من أشباهك، هل العيب فينا وفي نطفنا وفي أرحام نساءنا أم العيب في بيئتنا ومفاسدنا التي غطت وسادت محاسنا ؟؟، سؤال مفتوح يطلب الإجابة.
كتبها محمد عبدالهادي في 06:36 مساءً ::
الاسم: محمد عبدالهادي
