حزن الشمس لحظة الغروب

الأربعاء,نيسان 16, 2008


محمد عبدالهادي

شهدت الأسابيع القليلة الماضية تصريحات أطلقها عدد من رؤساء وقيادات الدول الكبرى في العالم، تدور كلها حول فكرة الدفاع عن إسرائيل ودعمها في مواجهة المقاومة الفلسطينية، وتقديم كافة أشكال الحماية للاحتلال الإسرائيلي – رغم جرائمه الثابتة والواضحة بحق الفلسطينيين والشعوب العربية، ومن تلك التصريحات ما أطلقته أنجيلا ميركل – المستشارة الألمانية – خلال زيارتها الأخيرة لإسرائيل التي أكدت فيها "إلتزامها بأمن إسرائيل"، بل وصل بها الأمر إلى حد الاعتراف صراحة عن مسئولية بلادها عن ما يسمى بـ"محرقة اليهود"، ولم يقف الأمر عند حدود تلك التصريحات بل أطلقت ميركل تصريحا يعد في أضعف الإيمان بمثابة "اتفاق دفاع مشترك"، حيث اعتبرت ميركل "أن أي اعتداء على إسرائيل بمثابة اعتداء على ألمانيا".

وعلى الصعيد الفرنسي نجد أن الرئيس الفرنسي "نيكولا ساركوزي" أكد فيه أكثر من مرة "إلتزامه بأمن إسرائيل"، ولم يقف الأمر عند حدود التصريحات الفرنسية بل بادلت إسرائيل الرئيس الفرنسي تصريحات الغزل حيث أكد الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز في تصريحاته التي أطلقها أواخر الشهر الماضي خلال زيارته لباريس في إطار احتفالات إسرائيل بالذكرى الـ60 لنشأتها، "أن ما من دولة ساعدت إسرائيل كما ساعدتها فرنسا"، كما أن زيارة بيريز لفرنسا تعد الأولى لرئيس دولة إلى باريس منذ انتخاب ساركوزي رئيسا لفرنسا الأمر الذي يحمل في طياته دلالات كثيرة على مستوى العلاقات الإسرائيلية – الفرنسية.

وعلى الصعيد البريطاني الأمريكي فلا يخفى على أحد الدور التاريخي لبريطانيا في إقامة الكيان الإسرائيلي وذلك بفضل وعد جيمس آرثر بلفور 1917–  وزير الخارجية البريطاني آنذاك- وتعهد فيه على نفسه أمام اللورد روتشيلد- أحد زعماء الحركة الصهيونية في تلك الفترة – بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين وتسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين المحتلة حينما كانت واقعة تحت الانتداب البريطاني، ثم التعاون مع إسرائيل في شن عدوان 1956 على مصر، فضلا عن توفير كافة أساليب الحماية القانونية والسياسية لإسرائيل ضد أية إدانة دولية لإسرائيل على جرائمها وانتهاكها للقانون الدولي، ثم ما لبثت بريطانيا أن سلمت الراية إلى الولايات المتحدة التي مارست دورها بقوة وحماس كبيرين، حيث لم تدخر واشنطن جهدا في الدفاع عن الاحتلال الإسرائيلي بل ودعمه في أي عدوان ضد الشعوب العربية تحت بند الدفاع عن النفس، وليس أدل على ذلك من العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان عام 2006 وحصار غزة وارتكابها المجازر خلال ذلك العدوانيين.

لعل الرابط بين الدول الثلاث السابقة هي أنها جميعا عضوة في اللجنة الرباعية الدولية المعنية بالسلام في منطقة الشرق الأوسط، فإذا كان هذا حال الدول الكبرى الأعضاء في اللجنة، فماذا ينتظر العرب من تلك الدول خاصة على صعيد دعم الحقوق العربية، فإذا كانت تلك الدول تطلق يوميا تصريحات الإلتزام التام بأمن إسرائيل وحماية حدودها التي أقامت على الحقوق العربية والإسلامية في فلسطين ولبنان وسوريا، فكيف بالدول العربية أن تأمل في أن تلعب تلك الدول الغربية الكبرى دور الوسيط النزيه في أية مفاوضات أو في أية اتفاقيات من شأنها أن تعيد الحقوق إلى أصحابها.

 

التأييد الأعمى لإسرائيل .. فرنسا نموذجا

وحتى نفهم حقيقة العلاقات الاستراتيجية بين إسرائيل والدول الكبرى في العالم، حتى نستطيع رؤية الأمور بوضوح ووضعها في نصابها الصحيح، فينبغي أن نعي دور تلك الدول في نشأة إسرائيل حتى أعلن قيام الدولة العبرية في عام 1948، حتى يدرك القادة العرب حقيقة مواقف تلك الدول، وأنه لا أمل في أن تلعب تلك الدول دورا نزيها في إعادة الحقوق العربية، بل يمكن اعتبار تلك الدول تآمرت وما زالت تتآمر على الحقوق العربية.

ففي فرنسا نجد أنها من أوائل الدول في العالم التي اعترفت بإسرائيل، حيث اعترفت بإسرائيل عام 1949، بل وكان نابليون بونابرت أول من منح الجنسية الفرنسية لليهود، وأول من خطى خطوات حثيثة نحو إنشاء وطن قومي لليهود في أرض فلسطين.

ولم يقف حدود الدعم الفرنسي لإسرائيل عند نقطة الدعم السياسي فقط، بل امتد ليشمل ضمان التفوق الإسرائيلي في الأسلحة والعتاد على بقية دول المنطقة، فنجد أن المشروع النووي الإسرائيلي أنشأ بخبرة فرنسية بعد موافقة أمريكية عام 1956 لضمان التفوق الإسرائيلي النوعي على بقية الدول العربية، وما زالت فرنسا تتمتع بعلاقات عسكرية قوية مع إسرائيل حيث أبرمت بين الجانبين اتفاقيات استيراد وتصدير مختلف أنواع الأسلحة.

كما أن حدود التعاون الفرنسي الإسرائيلي لم تقف عد حد التعاون والتبادل فقط بل شمل التخطيط سويا للعدوان، مما يعني أن الدولتين لديهما الكثير من التوجهات المشتركة حيال دول المنطقة، وليس أدل على ذلك من مشاركة فرنسا بالتعاون مع إسرائيل في العدوان الثلاثي على مصر 1956.

كما تشهد العلاقات بين الجانبين تناغما كبيرا في السنوات القليلة الماضية، حيث يتبنى البلدين حوارا استراتيجيا تعمق كثيرا منذ 2005، حيث يتطرق الحوار بين الطرفين إلى مجمل القضايا الحيوية في المنطقة على رأسها الأوضاع في لبنان وفلسطين والعراق، إضافة إلى الملف النووي الإيراني.

وتعد فرنسا ثاني أكبر المصدرين لإسرائيل، ووصلت قيمتها إلى 1.6 مليار يورو عام 2006 كما تعد فرنسا تاسع أكبر دول تتوجه إليها الصادرات الإسرائيلية، فضلا عن أن فرنسا ثاني الدول التي يتوجه إليها السياح الإسرائيليين.

ورغم قوة العلاقات الفرنسية الإسرائيلية إلا أن الرئيس ساركوزي اعتبر أن عام 2008 ستكون سنة تدعيم العلاقة الثنائية بين البلدين وأنه سيشهد تطوير الحوار الاستراتيجي القوي بين الجانبين، كاشفا عن فرنسا ستوظف قدرات الاتحاد الأوروبي الذي ستتولى رئاسته خلال الأشهر المقبلة لخدمة إسرائيل وحماية أمنها وأمن مواطنيها.

كما شهد هذا العام تتويجا للعلاقات القوية بين الجانبين، حيث أعلن برنار ديلانوي عمدة باريس‏،‏ عن إطلاق اسم "تيودور هرتزل" – منظر الدولة العبرية- على أحد ميادين باريس، كما كانت إسرائيل ضيف شرف على عدد من المهرجانات الثقافية والفنية ومنها معرض الكتاب الدولي بباريس حيث تكرم إسرائيل كضيف شرف هذا العام.

 

بعد ما سبق، هل ما زالت القضية الفلسطينية في حاجة إلى عقد المزيد من المؤتمرات والخروج بالكثير من التوصيات والاتفاقيات، في ظل الانحياز التاريخي والحالي الواضح من جانب الدول الكبرى الراعية لمثل تلك المؤتمرا للاحتلال الإسرائيلي، ولنا في خارطة الطريق وما تبعها من اتفاقيات ووصلا إلى مؤتمر أنابوليس في أواخر نوفمبر الماضي، ويبقى السؤال ماذا تحقق من وراء تلك المؤتمرات؟ هل تحررت الأرض الفلسطينية المحتلة، أم أن الاحتلال تمكن من فرض المزيد من السيطرة بدعم خارجي، بشكل يجعل المتابعين للشأن السياسي الفلسطيني التأكيد على أنه كلما أرادت إسرائيل تحقيق مكسبا ما على أرض الواقع حركت العالم نحو إبداء المبادرات لعقد مؤتمرات السلام، وفي النهاية لا تلتزم إسرائيل بأي شئ بل تكون الدائرة دائما على الجانب الفلسطيني الذي يطالب بأجندة مطالب تتضاعف في كل مؤتمر وفي النهاية تضيع القضية بين توصيات المؤتمرات فيما تستعد إسرائيل لجولات جديدة من إحكام المزيد من السيطرة على الأرض الفلسطينية وفرض سياسة الأمر الواقع.

 

ماذا يجب على العرب فعله

ما سبق يؤكد أنه يجب على العرب ألا يثقوا إلا في قدراتهم الذاتية وأن يوظفوا طاقاتهم لخدمة قضاياهم الحيوية والمصيرية، وألا يركنوا تماما إلى استجداء تدخل الطرف الأوروبي لإحداث توازن مع الطرف الأمريكي في ظل انحياز الطرف الأخير المطلق تجاه إسرائيل على حساب القضايا العربية، فما سبق يؤكد أن الدول الغربية الأوروبية والولايات المتحدة على مسافة واحدة من العلاقات الاستراتيجية مع إسرائيل وأن تلك العلاقات ستحول دون اتخاذ أية مواقف ضد الاحتلال الإسرائيلي وضد جرائمه في حقوق شعوب المنطقة، مما يعني أنه يجب على الدول العربية أن تأمل كثيرا في استعادة الحقوق العربيةن عبر تسول المواقف الدولية من تلك الدول الكبرى التي أوضحت مجريات الأحداث أنها قلبا وقالبا مع الاحتلال الإسرائيلي.