حزن الشمس لحظة الغروب

الأربعاء,نيسان 16, 2008


محمد عبدالهادي

أثارت القمة العربية التي عقدت مؤخرا بالعاصمة السورية (دمشق) يومي السبت والأحد 29 و 30 مارس الجاري كثيرا من النقاط الجدلية على كافة الأصعدة السياسية العربية، تركزت جميعها في مستوى التمثيل الدبلوماسيي للدول العربية المشاركة في القمة، بشكل يجعلنا نطلق على القمة العربية العادية العشرين أنها  قمة (المقاطعة والمشاركة والتخفيض)، فمواقف الدول العربية ترواحت بين المعاني الثلاثة، حيث قاطع لبنان القمة تماما، فيما خفضت دول عربية أخرى مستوى تمثيلها الدبلوماسي ويأتي على رأس تلك الدول (مصر والسعودية والبحرين وسلطنة عمان والمغرب والأردن والعراق واليمن)، وباقي الدول شاركت على مستوى القادة والزعماء وعددهم 11 دولة، تلك التباينات العربية في المشاركة بالقمة تؤكد أن القادة العرب أنفسهم فقدوا الثقة في اجتماعاتهم ومدى قدرتها على حل الأزمات والقضايا العربية العالقة حتى على مستوى تنقية الأجواء العربية – العربية، فإذا كان القادة العرب يرفضون الجلوس مع بعضهم البعض لحل القضايا العربية الخلافية .

                    - قمم الكرة اكثر فعالية من قمة العرب -

والسؤال الذى يفرض نفسه بعد ذلك هو فكيف ومتى وأين يتم حل تلك القضايا إذا لم تكن خلال القمم العربية وفي إطار مؤسسة الجامعة العربية؟، مما يعني أن مؤسسة الجامعة العربية قد ضعف دورها كثيرا، وأن إجماع القادة والشعوب العربية على اجتماعات القمم العربية لا يساوي شيئا بجوار مباراة واحدة من مباريات كرة القدم، التي تستطيع أن تجمع ملايين العرب من المحيط إلى الخليج في انتظار الهدف، فهل موقف الشعوب العربية غير المهتم بفعاليات القمة العربية يرجع إلى تخاذل القادة أم إلى إيمان المواطنين العرب بأن القمة لن تخرج عن كونها "مكلمة" ليس إلا.

وإذا كان من المفهوم موقف لبنان المقاطع للقمة العربية في دمشق وذلك لاعتبارات الخلافات السورية اللبنانية حيال الشأن الداخلي في لبنان، واتهام لبنان سوريا بدعم المعارضة والضغط لعدم انتخاب رئيس لبناني لملء الفراغ الرئاسي الذي تعانيه مؤسسة الرئاسة اللبنانية منذ نوفمبر من العام الماضي، ولعل الأمر الغريب في مقاطعة لبنان للقمة العربية أنه وحد قوى المعارضة والموالاة فالطرفين أيدا المقاطعة مع اختلاف التبريرات فقوى المعارضة اعتبرت أن مشاركة حكومة غير شرعية في القمة لتمثل لبنان أمرا غير مرغوب، فيما اعتبرت قوى الموالاة أن مشاركة لبنان في القمة أمر مرفوض خاصة أنها تعقد بدمشق.

موقف غامض

وإذا كان موقف لبنان مفهوما على المستوى السياسي، إلا أنه من غير المفهوم أن تربط قوى عربية كبرى كمصر والسعودية تخفيض مستوى تمثيلها الدبلوماسي في القمة العربية بالأزمة اللبنانية، بل وتربط مشاركتها في القمة بانتخاب رئيس لبناني محملين سوريا المسئولية كاملة عن هذه الأزمة، فإذا كان هذا هو موقف الدول العربية الكبرى فمن باب أولى لتلك الدول أن تمتنع عن المشاركة في أعمال القمم الدولية في الأمم المتحدة والتي تستضيفها الولايات المتحدة، لاعتبار أن واشنطن والمنظمة الأممية هما أس الأزمات التي تمر بها المنطقة العربية والعالم الإسلامي.

كما أن تخفيض هذه الدول لمستوى تمثيلها الدبلوماسي يعطي مصداقية للإعلام السوري والعربي المعارض لاتهام تلك الأنظمة بأنها بمثابة "فيروس أمريكي" في المنطقة، وأنها رضخت للضغوط الأمريكية لإفشال القمة، خاصة بعد فشل سياسة التخويف العسكرية الأمريكية التي اتبعتها حينما أرسلت بوارجها الحربية قبالة سواحل لبنان قبل نحو أسبوعين.

وكان الأولى بتلك الدول العربية المحورية أن تجتمع وتلتقي في القمة لمناقشة ملفات الأزمات العربية البينية بدلا من أن تخفض تمثيلها وتعطي مبررات أكبر لسوريا للاتجاه نحو المعسكر الإيراني ومشروعه في المنطقة، فإذا كانت مصر والسعودية وبقية الدول العربية يتهمون سوريا بأن أولوياتها في السياسة الخارجية تتفق مع المشروع الإيراني في المنطقة فإن موقفهما الأخير من شأنه أن يزيد العزلة الدبلوماسية على سوريا مما قد يدفعها دفعا نحو تعميق علاقاتها أكثر وأكثر مع طهران وتنحية علاقاتها العربية جانبا، وقد ظهرت دلائل ذلك الأمر حينما تجاهل الرئيس السوري بشار الأسد في كلمته الافتتاحية للقمة الإشارة من قريب أو بعيد لقضية الجزر الإماراتية التي تحتلها إيران منذ 1971، حرصا على العلاقات بين دمشق وطهران، مما يعني أن موقف (مصر والسعودية) من قمة دمشق من شأنه أن يفاقم من أزمات المنطقة العربية.

هذا على صعيد "المقاطعة والتخفيض" أما الدول العربية المشاركة فيقع عليها عبء كبير في الحفاظ على الحد الأدنى من التضامن العربي، فإن كانت القيادات والشعوب العربية لا تنتظر تحقيق الكثير من القمم العربية عامة وقمة دمشق خاصة، إلا أن مجرد اجتماع هؤلاء القادة يعطي ولو أمل قليل أنه بإمكان القادة العرب أن يجتمعوا وبإمكانهم أن يتحاوروا حول الكثير من القضايا والملفات المتأزمة في المنطقة العربي، وظهر هذا جليا حينما كلفت القمة العربية الرئيس الليبي معمر القذافي بمسئولية فتح قنوات اتصال مع إيران لمناقشة أزمة الجزر الإماراتية المحتلةن وهذه النقطة تعد أبرز الجوانب الإيجابية التي خرجت بها قمة دمشق.

مستقبل العلاقات العربية

انطلاقا مما سبق يتضح أن الأيام القليلة المقبلة ستظهر مزيدا من التوتر في العلاقات العربية العربية بين سوريا من جانب ومصر والسعودية من جانب آخر، خاصة على صعيد الملف اللبناني، الأمر الذي من شأنه أن ينعكس على الأداء العربي الجماعي في باقي قضايا المنطقة خاصة الملف (العراقي والفلسطيني والسوداني وقضية الجزر الإماراتية)، مما قد يضر في النهاية بالأمن القومي العربي بالنظر إلى المشروعين الإيراني والإسرائيلي – المدعوم أمريكيا.

ويبقى أن تعي الدول العربية أن اجتماعاتها في القمم العربية ليست من باب الترف السياسي حتى تربط حضورها لأعمال القمة من عدمه بمدى التوافق أو الاختلاف مع الدولة المضيفة، فينبغي على الدول العربية أن تتعامل مع الجامعة العربية كمنظمة لا تخضع لاعتبارات الخلافات السياسية بل هي ساحة للاجتماع وحل الخلافات، تماما كمنظمة الأمم المتحدة، فلا يخفى على أحد حجم العداوات بين الدول وبعضها البعض ومع ذلك تجتمع تلك الدول في إطار المنظمة الأممية.

كما ينبغي على منظمة الجامعة العربية أن تمتلك خططا استراتيجية مستقبلية لإدارة أزمات المنطقة، لا أن يكون موقفها رد فعل فقط على ما تعيشه المنطقة، وهذا لن يتحقق إلا إذا التزمت الدول العربية جميعا بمقررات الجامعة العربية وبقرارات القمم العربية، وأن تكون هناك آلية عربية لمعاقبة الدولة الخارجية عن إرادة المنظمة.